الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

183

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهو قوله : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ التوبة : 90 ] فإنهم فريق من المنافقين فهم الذين اعتذروا بعد رجوع الناس من غزوة تبوك وجعل المسند فعلا مضارعا لإفادة التجدد والتكرير . و إِذا هنا مستعملة للزمان الماضي لأن السورة نزلت بعد القفول من غزوة تبوك وجعل الرجوع إلى المنافقين لأنهم المقصود من الخبر عند الرجوع . والخطاب للمسلمين لأن المنافقين يقصدون بأعذارهم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ويعيدونها مع جماعات المسلمين . والنهي في قوله : لا تَعْتَذِرُوا مستعمل في التأييس . وجملة : لَنْ نُؤْمِنَ في موضع التعليل للنهي عن الاعتذار لعدم جدوى الاعتذار ، يقال : آمن له إذا صدقه . وقد تقدم في هذه السورة [ 61 ] قوله تعالى : وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ . وجملة : قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ تعليل لنفي تصديقهم ، أي قد نبأنا اللّه من أخباركم بما يقتضي تكذيبكم ، فالإبهام في المفعول الثاني ل نَبَّأَنَا الساد مسد مفعولين تعويل على أن المقام يبينه . و مِنْ اسم بمعنى بعض ، أو هي صفة لمحذوف تقديره : قد نبأنا اللّه اليقين من أخباركم . وجملة : وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ عطف على جملة لا تَعْتَذِرُوا ، أي لا فائدة في اعتذاركم فإن خشيتم المؤاخذة فاعملوا الخير للمستقبل فسيرى اللّه عملكم ورسوله إن أحسنتم ؛ فالمقصود فتح باب التوبة لهم ، والتنبيه إلى المكنة من استدراك أمرهم . وفي ذلك تهديد بالوعيد إن لم يتوبوا . فالإخبار برؤية اللّه ورسوله عملهم في المستقبل مستعمل في الكناية عن الترغيب في العمل الصالح ، والترهيب من الدوام على حالهم . والمراد : تمكنهم من إصلاح ظاهر أعمالهم ، ولذلك أردف بقوله : ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، أي تصيرون بعد الموت إلى اللّه . فالرد بمعنى الإرجاع ، كما في قوله تعالى : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ في سورة الأنعام [ 62 ] . والرد : الإرجاع . والمراد به هنا مصير النفوس إلى عالم الخلد الذي لا تصرف فيه لغير اللّه ولو في ظاهر الأمر . ولما كانت النفوس من خلق اللّه وقد أنزلها إلى عالم الفناء